حسن بن عبد الله السيرافي
154
شرح كتاب سيبويه
الجزم ، إذا قلت : " لم يذهبا " فعلمنا أن النون ليست بحرف إعراب . قال سيبويه : " ولم يكونوا ليحذفوا الألف : لأنها علامة الإضمار والتثنية ، فيمن قال : " أكلوني البراغيث " ، وبمنزلة التاء في : " قلت " و " قالت " . يعني أن الألف التي تلحق الفعل في التثنية ، إمّا أن تكون علامة للإضمار ، كقولك : " الزّيدان لم يذهبا " أو علامة التثنية ، كقولك : " لم يذهبا الرّجلان " ، ولا تحذفها في الجزم ، فيبطل الضمير أو العلامة . ولم يرد بقوله : " علامة الإضمار والتثنية " في حال واحدة ، إنما أراد : لأنها علامة الإضمار ، إذا تقدم المضمرون ، أو التثنية ، في لغة من قال : " أكلوني البراغيث " ؛ لأن هؤلاء عند سيبويه جعلوا الواو في : " أكلوني " علامة تؤذن بالجماعة ، وليست ضميرا . وفي : " أكلوني البراغيث " ثلاثة أوجه ؛ أحدهما : ما قال . والثاني : أن تكون " البراغيث " مبتدأ ، و " أكلوني " خبرا مقدّما ، تقديره " البراغيث أكلوني " . والوجه الثالث : أن تكون الواو في " أكلوني " ضميرا على شرط التفسير ، " والبراغيث " بدل منه ، كقولك : " ضربوني وضربت قومك " ، فتضمر قبل الذكر على شرط التفسير . وقد كان الوجه في : " أكلوني البراغيث " على تقديم علامة الجماعة ، أن يقال : " أكلتني البراغيث " ؛ لأن " البراغيث " مما لا يعقل وما لا يعقل جمعه وضمير جمعه كالمؤنث ، وإن كان مذكرا ؛ تقول : " ثيابك مزّقن " و " جمالك يمشين " . قال الشاعر : فإن تكن الأيّام فرّقن بيننا * فقد بان محمودا أخي يوم ودّعا " 1 " ولا يحسن أن يقول : فإن تكن الأيام فرّقوا بيننا ؛ لأن الجمع بالواو لما يعقل ، وهم الثّقلان والملائكة ، وربما ذكر لما لا يعقل فعل يكون الأغلب فيه أن يكون لما يعقل ، فيجعل لفظه كلفظ ما يعقل تشبيها ، فمن ذلك قوله عز وجل : إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ " 2 " ، فجمع الشمس والقمر والكواكب
--> ( 1 ) البيت منسوب لمتمم بن نويرة في المفضليات ق 67 / 22 ص 535 . ( 2 ) سورة يوسف ، آية 4 .